منذ بداية الألفية الثالثة، يشهد العالم قفزات نوعية في مجال التحول الرقمي، لكن من بين جميع القطاعات التي طالتها هذه الموجة التكنولوجية، يبرز القطاع الصحي كأحد أكثر المستفيدين إثارة للدهشة والجدل في آنٍ معًا. فهل يمكن أن يصبح الذكاء الاصطناعي الطبيب الجديد؟ هل ستنقرض المهنة الإنسانية الأكثر نبلاً على يد الخوارزميات؟ أم أن الأمر لا يعدو كونه شراكة ذكية تعيد تعريف الرعاية الصحية؟
الذكاء الاصطناعي يدخل غرفة العمليات
بدأت تطبيقات الذكاء الاصطناعي في المجال الصحي تتجاوز حدود المختبرات والأبحاث الأكاديمية لتدخل غرف الطوارئ، وصالات العمليات، وحتى عيادات التشخيص اليومي. برامج مثل IBM Watson Health وDeepMind Health من جوجل، أصبحت قادرة على تحليل الأشعة والصور الطبية بدقة تفوق بعض الأطباء البشر.
بل إن دراسة علمية نُشرت في 2019 أثبتت أن نماذج الذكاء الاصطناعي تفوقت على أطباء الجلدية في تشخيص سرطان الجلد في عدة حالات.
أين تتفوق الآلة على الإنسان؟
- تحليل كميات ضخمة من البيانات الطبية خلال ثوانٍ.
- اكتشاف أنماط خفية لا تلاحظها العين البشرية.
- تشخيص مبكر لبعض الأمراض مثل السرطان والزهايمر.
- تحسين إدارة المستشفيات والمواعيد والموارد.
ولكن، هل تثق بالروبوت أن يشخّصك؟
لا تزال هناك تحديات كبيرة أمام الاعتماد الكامل على الذكاء الاصطناعي. منها غياب العامل الإنساني في التعامل مع المريض، وحدود فهم الآلة للسياق الثقافي أو النفسي، بالإضافة إلى قضايا أخلاقية مثل من يتحمل المسؤولية في حال التشخيص الخاطئ.
التحول الرقمي لا يعني الاستغناء عن الإنسان
عوضًا عن رؤية الذكاء الاصطناعي كبديل للطبيب، يجدر بنا رؤيته كشريك ومساعد. بإمكانه تخفيف عبء الأعمال الروتينية، وتقديم توصيات مبنية على تحليل دقيق للبيانات، لكنه لا يستطيع أن يحل مكان الحنان الإنساني، أو الإنصات لمخاوف المريض، أو اتخاذ القرار بناءً على السياق العاطفي.
نماذج عربية واعدة
في العالم العربي، بدأنا نشهد مبادرات رقمية مثل تطبيق Altibbi وVezeeta التي تستغل الذكاء الاصطناعي لتقديم استشارات طبية فورية، وإدارة المواعيد، وحتى تحليل الأعراض.
كما أطلقت بعض المستشفيات الخليجية منصات تعتمد على الروبوتات الذكية في تنظيم دخول المرضى وتوجيههم داخل المستشفى، مما يقلل زمن الانتظار ويزيد من كفاءة العمل.
خاتمة: الطبيب القادم هو... الاثنان!
الذكاء الاصطناعي ليس عدوًا للطبيب، بل هو أداته القادمة. هو يد لا ترتجف أثناء الجراحة، وعين لا ترهق من قراءة آلاف التحاليل. لكنه يظل بحاجة لقلب الإنسان وعقله ليوجه هذه القوة في الطريق الصحيح. التحول الرقمي في القطاع الصحي لا يعني إقصاء الإنسان، بل إعادة تعريف دوره في زمن تسيطر فيه الخوارزميات على التفاصيل.
والسؤال الذي يبقى هو: هل نحن مستعدون لهذا الزواج الذكي بين الإنسان والآلة؟